الذاكرة تجمع العرب والكرد قبل أن تفرقهم السياسة
بقلم : ماجدة رشوان
محامية وحقوقية مصرية
في كثير من الأحيان، حين نناقش العلاقات بين الشعوب، نبدأ من الحاضر، من الأزمات، من الخلافات، من التوترات التي تبدو وكأنها الأصل.
لكن الحقيقة أبسط من ذلك، وأعمق في الوقت ذاته، فما نراه اليوم هو مجرد فصل عابر في كتابٍ طويل، كُتبت صفحاته الأولى قبل أن تتشكل الدول، وقبل أن تُرسم الحدود.
العلاقة بين العرب والكرد ليست طارئة، ولا وليدة ظروف سياسية حديثة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التفاعل والتجاور، تداخلت فيه المصالح، وتقاطعت فيه الثقافات، وتشكلت خلاله ذاكرة مشتركة، ربما لم يُلتفت إليها كما يجب.
في هذا التاريخ، لا نجد فقط محطات صراع — كما يحلو للبعض أن يُبرز — بل نجد أيضاً مساحات واسعة من التعاون والتعايش، من التداخل الاجتماعي، ومن العلاقات الإنسانية التي لم تُكتب في كتب السياسة، لكنها بقيت حاضرة في وجدان الناس.
في المدن المختلطة، في القرى الحدودية، في طرق التجارة القديمة،كان العرب والكرد يعيشون تفاصيل الحياة ذاتها، يتبادلون السلع، يشاركون الأفراح، يتقاسمون القلق ذاته حين تشتد الأزمات.
هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد لا تُوثق رسميًاً، هي التي تُشكّل في النهاية ما يمكن تسميته بـ”الذاكرة الشعبية” وهي غالبًا أكثر صدقاً من الروايات الرسمية.
لكن مع تحولات القرن العشرين، وظهور الدول الحديثة، بدأت هذه الذاكرة تتراجع لصالح سرديات جديدة، غالباً ما تأثرت بالصراعات السياسية، وبالخطابات التي تميل إلى التركيز على الاختلاف أكثر من التركيز على المشترك.
ومع مرور الوقت، تراكمت الصور النمطية، وتراجعت مساحة المعرفة المتبادلة، حتى بات كثير من الناس يعرفون “عن” الآخر أكثر مما يعرفونه “منه”.
وهنا تكمن المشكلة… وهنا أيضاً تكمن الفرصة، لأن إعادة قراءة التاريخ، واستعادة الذاكرة المشتركة، لا تعني العودة إلى الماضي، بل تعني فهم الحاضر بشكل أفضل، وبناء المستقبل على أساس أكثر توازناً.
فحين يدرك العربي أن العلاقة مع الكرد لم تبدأ بخلاف سياسي، بل سبقتها قرون من التفاعل الإنساني، فإنه يعيد النظر في كثير من التصورات.
وحين يكتشف الكردي أن هذا التداخل لم يكن استثناءاً، بل كان جزءاً طبيعياً من تاريخ المنطقة، فإنه ينظر إلى هذه العلاقة من زاوية مختلفة.
في هذا السياق، تبرز أهمية المبادرات التي تعمل على إعادة إحياء هذه الذاكرة، وتقديمها بأسلوب قريب من الناس، بعيداً عن التعقيد الأكاديمي أو التوظيف السياسي.
ومن بين هذه المبادرات، حملة «تكامل… عرب وكرد، مصير مشترك»، وهي إحدى مشروعات شبكة الاستشراف الدولية للدراسات والإعلام والاستشارات، التي سعت — عبر محتوى متنوع نُشر على منصاتها في وسائل التواصل الاجتماعي — إلى إعادة تسليط الضوء على هذه المشتركات التاريخية.
حيث تناولت الحملة، في عدد من منشوراتها وإنفوغرافيكها، محطات من التاريخ المشترك، وقصصاً من التعايش، إلى جانب تقديم قراءة مبسطة لهذا التداخل، تساعد الجمهور على فهمه دون تعقيد.
ما يميز هذا الجهد، أنه لا يسعى إلى “إعادة كتابة التاريخ”، بل إلى إعادة قراءته، إلى إخراج ما تم تهميشه، وإعادة وضعه في سياقه الطبيعي.
وهذا بحد ذاته، يُسهم في تصحيح الكثير من المفاهيم، ويفتح الباب أمام حوار أكثر هدوءاً وواقعية.
فالذاكرة، حين تُستعاد بشكل صحيح، لا تُستخدم لإحياء الخلاف، بل لتجاوزه، والتاريخ، حين يُقرأ بإنصاف، لا يكون عبئاً بل يصبح دليلاً.
ومن هنا، فإن أي مشروع يسعى إلى تعزيز العلاقة بين العرب والكرد، لا يمكن أن يتجاهل هذا البعد، بل يجب أن ينطلق منه، لأن ما يجمع الشعوب لا يُبنى من الصفر، بل يُستعاد، ويُفهم، ويُعاد تقديمه بلغة العصر.
ولعل هذا هو ما تحاول مبادرات مثل «تكامل» أن تفعله، أن تُعيد ربط الحاضر بجذوره، وأن تُذكّر بأن ما يجمعنا، لم يكن يوماً أقل مما يُفرّقنا.


.jpeg)














