مشاهير

حين تغنيك الشاشة عن البشر .. هل نسينا كيف نصغي لبعضنا ؟

بقلم : م / محمد فريد

خبير الامن السيبراني ومحلل انظمة الاختراق

حكاية تبدأ في الثالثة فجرا

تخيل أن تقرع الساعة الثالثة فجرا وأنت جالس في عتمة غرفتك وحديث ثقيل يختنق في صدرك ولا تجد له مخرجا وأسئلة مرعبة ترفض أن تبوح بها لأحد تمد يدك بارتعاش نحو هاتفك تفتح نافذة محادثة باهتة وتكتب بحرقة :-

(أنا تعبان نفسيًا… ومش لاقي حد أتكلم معاه).

وبعد ثوانٍ معدودات يأتيك الرد هادئا وناعما ( أنا هنا لأسمعك…احك لي ما يؤلمك).

للوهلة الأولى تبدو الكلمات مألوفة لكنها بالنسبة لشخص مزقه الصمت طويلاً تعني شعورا طال انتظاره أن يمنحه أحدهم مساحة للكلام بلا مقاطعة وبلا أحكام مسبقة وبلا ضيق.

ولكن… هنا تكمن المفارقة الموجعة من أجابك لم يكن صديقًا وفيًا ولا طبيبًا مشفقًا ولا حتى إنسانًا من الأساس !

كان مجرد ( ذكاء اصطناعي )

وهنا تتجلى الحكاية بكل قسوتها وجمالها الإنسان عبقري العصر صنع آلة بارعة في محاكاة الإصغاء بينما هو نفسه يتضور جوعا إلى كلمة حانية ونظرة دافئة وقلب حقيقي يشعر به.

التكنولوجيا.. ملاذ آمن في عالم بارد

نحن نعيش في عصرٍ يمتلك فيه البشر أدوات تواصل لم يسبق لها مثيل ومع ذلك لم يعرف التاريخ بشرا يعانون من الوحدة مثلنا نتوه وسط مئات الرسائل وآلاف المتابعين ووجوه تبتسم في الصور وهي تخفي خلفها خرائب من الوجع.

لكن ماذا يحدث حين ينطفئ الهاتف ؟ حين تتوارى المجاملات وتجد نفسك وحيدا بمواجهة ظلامك ؟

في تلك اللحظة الحرجة تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أعمق زوايا أرواحنا لم يعد أداة جامدة للبحث بل تحول إلى «صديق افتراضي» نلجأ إليه لنرتب أفكارنا ونعبر عن مخاوفنا ونقول له ما نعجزعن البوح به لأقرب الناس إلينا.

الأمر ليس ضعفًا بل هو نداء بقاء إنساني بحت أن نتحدث بلا خوف ولكن يبقى السؤال المعلق كالجمر هل تشفي الكلمات المصنوعة قلوبا مزقتها الأيام؟

الآلة التي تحصي الكلمات..وتجهل الألم

يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة ملايين الصفحات عن الاكتئاب وتفكيك شيفرات القلق واقتراح تمارين تنفس مذهلة إنه يمنحك القالب اللفظي الذي يعجز لسانك عن صياغته ولكنه مهما بلغت دقة برمجياته... لا يعيش الألم .

الآلة لا تعرف كيف تواسى أرواحنا لفقد عزيز ولا ترتجف خوفا على مستقبل مجهول ولا تبتسم للناس نهارا بينما تخوض حربا لا يراها أحد ليلا .

إنها تتقن ( محاكاة ) التعاطف لكنها تفتقر إلى التجربة التي تمنح هذا التعاطف معناه وهنا يبرز الخيط الرفيع بين المساعدة الحقيقية والوهم الخادع فالآلة نافذة لترتيب الأفكار وليست بديلا عن حضن صادق أو معالج بشري يملك نبض الحياة.

أين يقف الحنين.. وأين يبدأ الفخ ؟

لا ينبغي أن نخاف التكنولوجيا لمجرد أنها جديدة كما ليس من العقل أن نلقي بأنفسنا في أحضانها بثقة مطلقة.

فهي قادرة على أن تكون منبها رقيقا ينبهنا لأعراض الضغط النفسي أو جسرا يشجعنا على طلب المتخصصين ولكن في المقابل يكمن الخطر في الإفراط فالاستغراق في محادثات رقمية صماء قد يعزلنا تدريجيا عن قسوة وجمال العلاقات الحقيقية.

الاعتياد على آلة توافقك الرأي في كل شيء يجردك من شجاعة مواجهة الاختلاف ويجعلك تفقد المرونة والصدق اللذين لا يتعلمان إلا عبر الاحتكاك بالبشر.

ربما السؤال الأهم ليس هل يستطيع الذكاء الاصطناعي فهمنا ؟

بل : كيف وصلنا إلى مرحلة نجد فيها راحة مع آلة صماء أكثر مما نجدها مع انسان ؟

نحن لا نملك ترف التخلي عن إنسانيتنا لصالح الأكواد والسيليكون التكنولوجيا رفيقة رائعة لكنها تذكرنا بحقيقة مرة نحن لسنا بحاجة إلى آلات تتكلم معنا بل إلى بشر لا يجعلوننا نخشى الكلام.

وأكثر ما يبكي في هذه القصة ليس أن الآلة أصبحت بارعة في الاهتمام بل أن إنسانا اضطر لأن يفتح قلبه لـ «شاشة مضيئة» لأنه ببساطة… لم يجد قلبا بشريا يشعر معه بالأمان.

حين تغنيك الشاشة عن البشر .. هل نسينا كيف نصغي لبعضنا ؟
⇧