مشاهير

فرز البشر

بقلم دكتورة كالين صالح سفير الريادة الانسانية والسلام العالمي

هكذا تربينا، وهكذا كبرنا وبقينا

وعلى طريق الحق في دروبنا مشينا.

لا نطمع في رزق أحد

لأننا نعرف أن الرزق هبة، وواهبها الأحد.

بعيون ممتلئة بالرضا نسمي الله على أرزاق الناس

وبهذا يضع الله في قلوبنا رحمة لا تقاس.

ينصرنا الله ولو بعد حين.

فنحن نسامح حتى وإن طعنا بألف سكين

لأننا نعلم بأن من يهاجمنا إما معتوه أو مسكين.

علمونا قدوتنا إذا شتمنا يدنا نشبع

فنحن للكرامة عنوان المصنع

ولغير المولى لا نهتز ولا نركع.

نعتز بتاريخنا المشرف لا نبالي لاحقاد بعض الناس

فنحن نعشق بلادنا بكل الحواس.

فمن تراه يعيب فينا، لأن نجاحنا سبب لعقله إفلاس

أصبح حبيس الأنفاس...

ويشهد على تفوقنا، من أمريكا الشمالية إلى بحر العرب، وصولا حتى فاس.

و مثلما هناك فرز للنفايات، تعلمت أن أفرز البشر، لا تكبرا ولا غرورا، بل لأن التجارب علمتني أن الناس خامات، منها النظيف الأصيل، ومنها المتعفن مهما تلألأ بريقه.

أنا لا أفرز الناس بحسب أموالهم أو مناصبهم، بل بحسب معادنهم، ومواقفهم، وما يحملونه في داخلهم من مروءة ووفاء.

هناك من تقاسمه الخبز والملح، فيحفظ لك العشرة ما دامت الحياة، وهناك من يجلس إلى مائدتك، ويأكل من خيرك، وحين يبلغ مبتغاه، ينسى من مد له يده، ومن فتح له بابه، ومن وقف إلى جانبه حين ضاقت به السبل.

وهنا تدرك أن ليس كل من جلس إلى مائدتك يستحق مكانا في حياتك، وليس كل من شاركك لقمتك يستحق أن تمنحه من قلبك مكانة لا تليق إلا بالأصيل.

تعلمت أن الطيبة ليست ضعفا، وأن الكرم ليس إذنا بالاستغلال، وأن التسامح لا يعني إعادة من خذلك إلى المكانة نفسها.

أما أنا، فلوحاتي مرسومة بأنامل ذهبية، لا لأنني أرى نفسي فوق أحد، ولا لأنني أؤمن بطبقية البشر، بل لأنني أعرف قيمة ما أبنيه، وأدرك أن لكل قطعة مكانا، وأن القطع المزيفة، مهما أتقنت تقليد الأصل، لا تنتمي إلى لوحة صنعتها الأصالة.

فحين أكتشف أن قطعة في لوحتي مزيفة، لا أغير اللوحة من أجلها، بل أنزعها وأترك للألوان أن تستعيد نقاءها.

وهذا ليس غرورا، بل احترام للذات. فالطبقية أن تحكم على الإنسان بما يملك، أما الكرامة فهي أن تحكم على المواقف بما تكشفه، وعلى النفوس بما تثبته، وعلى العشرة بما تحفظه.

لم أندم يوما على يد امتدت بالعطاء، ولا على باب فتحته بصدق، ولا على خبز وملح تقاسمتهما مع أحد. لكنني تعلمت ألا أمنح الجميع حق الإقامة في حياتي، وألا أخلط بين من جاء محبة، ومن جاء لحاجة، ومن بقي وفاء، ومن رحل حين انتهت المصلحة.

فالخامة النظيفة لا تحتاج إلى تلميع كي تثبت أصالتها، أما الخامة المتعفنة، فلن تنقذها كل طبقات الطلاء.

وفي النهاية، لا أخشى أن يقل عدد من حولي، بل أخشى أن أُبقي في دائرتي من لا يشبهون قيمي. فمن لم يعرف قيمة الخبز والملح، لن تعلّمه موائد الدنيا معنى الوفاء.

أنا لا أحتقر أحدا، لكنني لا أسمح لأحد أن يختزل طيبتي في منفعة، أو يظن أن يدي التي امتدت إليه ستبقى ممدودة مهما فعل.

فمن لا يعرف قدر العشرة، لا يستحق امتياز البقاء، ومن يبيع الوفاء عند أول مصلحة، يخرج من دائرتي بقدر ما كشف عن حقيقته، لا بقدر ما كان يحتل فيها من مساحة.

فرز البشر
⇧