مشاهير

الحسد مضر بالصحة قبل أن يكون مضرًّا بالآخرين

بقلم / الكاتبة والاديبة الدكتورة كالين فايز صالح

سفيرة الريادة الانسانية والسلام العالمي

بيروت - القاهرة - مونتريال

إنه شعور قد يظهر على ملامح صاحبه، ويتسلّل إلى كلامه وتصرفاته، لأنه في جوهره صراع داخلي مع ما يملكه الآخر.

الحسد مذكور في القرآن الكريم، كما ورد مفهومه في الكتب السماوية، لكن أشكاله ودوافعه العميقة تبقى أكثر تعقيدًا مما نظن. وحتى علم النفس لا يستطيع دائمًا أن يفكك كل الأسباب الخفية التي تجعل إنسانًا يحسد إنسانًا آخر، بينما لا ينتاب هذا الشعور أشخاصًا آخرين في الظروف نفسها.

نعرف أحد أسبابه بوضوح: الشعور بالنقص، أو العجز عن الوصول إلى ما وصل إليه الآخر.

لكن الحسد ليس دائمًا ناتجًا عن النقص وحده؛ فقد يدخل فيه أيضًا الشعور بالمقارنة، والإحباط، وتهديد تقدير الذات، والشعور بأن الآخر يمتلك شيئًا يتمنى الإنسان امتلاكه.

ومن الدروس التي بقيت معي من أحد علماء الطب النفسي الذين تتلمذت على أيديهم، تعلّمت أن الحسد تجربة انفعالية معقدة ترتبط بالمقارنة الاجتماعية وبالطريقة التي يقيّم بها الإنسان نفسه مقارنةً بالآخرين. وقد ترافق هذه التجربة مشاعر من الإحباط أو التهديد لتقدير الذات، إضافة إلى استجابات عصبية وفسيولوجية مرتبطة بالضغط والانفعال.

وعندما يشتد الصراع الداخلي، قد يبحث الإنسان عن وسيلة لتخفيف توتره، فيظهر ذلك أحيانًا في الانتقاص من الآخر، أو التقليل من إنجازاته، أو محاولة تشويه الصورة التي تذكّره بما يشعر أنه يفتقده.

لكن الإنسان كلما ازداد نضجًا وتصالحًا مع نفسه، أدرك أن أرزاق الناس وأعمارهم ومكانتهم ليست ملكًا للبشر.

علّمني والدي جملة ما زلت أعيش بها إلى اليوم:

«ليست بيد أحد… إنها بيد الواحد الأحد.»

وكل شيء بمقدار.

ولذلك، عندما أشعر أن أحدًا يحسدني، لا ألومه دائمًا. فقد تعلّمت من الدنيا أن وراء بعض السلوكيات وجعًا لا نراه، وأن الإنسان قد يؤذي غيره أحيانًا لأنه لم يتعلم بعد كيف يتصالح مع نفسه.

لكن لمن يحسدني، أقول:

من حقك، عندما تراني أنجح ثم أنجح ثم أنجح، أن تشعر أن بيننا فارقًا زمنيًا… أو ربما كواكب.

لكن، هل سألت نفسك يومًا عن عدد الليالي التي سهرتُها؟

عن حجم التعب الذي تحملته حتى أصل إلى النجاح الذي تحسدني عليه؟

عن المرات التي سقطتُ فيها ثم وقفت؟

عن الأشياء التي خسرتها في الطريق ولم يرها أحد؟

هل تعرف كواليس حياتي؟

أم أنك ترى فقط الجزء الذي أسمح لك أن تراه؟

أنت ترى النتيجة، ولا ترى الطريق.

ترى الواجهة، ولا تعرف الكواليس.

ترى النجاح، ولا تعرف ثمنه.

نعم، احسدني إن شئت.

احسدني على رفعة أخلاقي، وعلى عيني الممتلئة، التي لا تجعلني أمدّ يدي إلى ما في يد غيري.

احسدني على والدي، العالم الجليل، الذي يشهد له من عرفه بالعلم والمكانة والعطاء، والذي علّمني أن قيمة الإنسان فيما يتركه من أثر، لا فيما يجمعه من ألقاب.

احسدني على عائلتي الصغيرة، وعلى نعمة أن أكون أمًا أرى في رعايتي لابني مسؤوليةً وكرامةً وأجرًا، وأرجو بها رفعة الدرجات عند الله.

احسدني على زوجٍ مخلص، أرى في وفائه نعمة لا تُشترى.

احسدني على إخوةٍ صنعت أسماؤهم مكانتها في عالم الطب، حتى أصبحت إنجازاتهم جزءًا من فخري بهم.

واحسدني على أمي، المرأة التي لم تربِّنا على الخضوع، بل على العزة والكرامة وحسن الخلق والترفع عن الصغائر.

نعم، إن كان لا بد أن تحسدني، فاحسدني على كل هذه النعم.

لكن تذكّر شيئًا واحدًا:

ما تراه في حياتي لم يأتِ بلا ثمن.

وربما لا تعرف كم مرة كان عليّ أن أكون قوية وأنا في داخلي متعبة، وكم مرة كان عليّ أن أبدأ من جديد دون أن يعرف أحد.

وقد قال الله تعالى:

﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.

فإن كان الله قد رزقني في الدنيا بما يجعلك تحسدني، فهذه نعمته عليّ، وليست ذنبًا مني.

فاحسد إن استطعت…

أما أنا، فسأستمر في النجاح، وسأترك لك المزيد من الأسباب.

لكنني في النهاية لا أتمنى لك إلا أن يرزقك الله ما يجعلك تستغني عن مقارنة نفسك بي، وأن يطهر قلبك من كل شعور يؤذيك أو يؤذيني.

أما أنا، فسأبقى شاكرةً لما أعطاني الله، حريصةً على أن أحفظ نعمته، وراجيةً منه أن يبعد حسدك عني وعن من أحب.

فالرزق ليس مسابقة بين البشر.

ما كُتب لي سيصلني، وما كُتب لك سيصل إليك.

ولا أحد يستطيع أن يأخذ من يدك ما كتبه الله لك.

كل شيء بمقدار.

الحسد مضر بالصحة قبل أن يكون مضرًّا بالآخرين
⇧