مشاهير

مَجَّانِيَّةُ التَّعْلِيمِ بَيْنَ المِطْرَقَةِ وَالسِّنْدَانِ .. بَيْنَ «التَّعْلِيمِ لِلْجَمِيعِ» وَ«التَّعْلِيمِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ»

بقلم / الأستاذ الدكتور/ عيد عبدالواحد علي درويش

عميد كليتي التربية والتربية للطفولة بجامعة المنيا سابقًا، ورئيس الجهاز التنفيذي لتعليم الكبار بجمهوريةمصر العربيةسابقًا

التعليم المجاني… حق أم مسؤولية؟

تظل قضية مجانية التعليم واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمعات؛ لأنها لا تتعلق فقط بالمدرسة والجامعة، وإنما ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ومستقبل الأجيال، وقدرة الدولة على بناء رأس مال بشري قادر على المنافسة.

وهنا تبرز إشكالية تستحق أن نطرحها بصدق بعيدًا عن الشعارات:

هل الأفضل أن يكون التعليم مجانيًا للجميع، مهما اختلفت قدراتهم ونتائجهم ومستويات إتقانهم؟ أم أن مجانية التعليم ينبغي أن ترتبط بالاستحقاق، وبقدرة الطالب على الاستمرار والنجاح والانتقال من مرحلة إلى أخرى؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة؛ لأن كلا الاتجاهين يستند إلى منطلقات إنسانية وتربوية واجتماعية مهمة.

الرؤية الأولى: التعليم للجميع… ومجانية التعليم للجميع

ينطلق الاتجاه الأول من مبدأ أن التعليم حق أصيل لكل إنسان، وأن الدولة ينبغي أن تضمن إتاحة التعليم لأبنائها دون أن يكون الفقر أو ضعف الإمكانات المادية للأسرة سببًا في حرمان الطفل من فرصته في التعلم.

ولهذه الرؤية مزايا لا يمكن إنكارها.

فهي تسهم في الحد من الفقر والجهل، وتدعم الحراك الاجتماعي، وتفتح أبواب التعليم أمام أبناء الطبقات الأقل قدرة، كما تساعد على بناء مجتمع أكثر معرفة ووعيًا.

والأهم من ذلك أنها تجعل الدولة شريكًا أساسيًا في حماية حق الطفل في التعلم، بدلًا من أن يصبح مستقبل الطفل مرهونًا بقدرة أسرته الاقتصادية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول مجانية التعليم من حق إلى مجرد إتاحة مجانية للمقعد الدراسي، بصرف النظر عن جودة التعلم ودرجة الإتقان والجدية في التحصيل.

فليس الهدف الحقيقي أن يدخل الطالب المدرسة فقط، وإنما أن يتعلم بالفعل.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:

هل نقيس نجاح النظام التعليمي بعدد الطلاب الموجودين داخل الفصول، أم بما اكتسبوه من معارف ومهارات وقيم وقدرات؟

الرؤية الثانية: التعليم المجاني لمن يستحق… رؤية شخصية قابلة للنقاش

أما الرؤية التي أطرحها هنا، وهي رؤيتي الشخصية، فتقوم على إعادة النظر في مفهوم مجانية التعليم بحيث لا تكون المجانية حقًا مفتوحًا بلا شروط حتى نهاية كل مرحلة تعليمية، وإنما تكون حقًا مرتبطًا بالتعلم والاستحقاق والإتقان.

وأقصد بذلك أن يحصل الطفل على تعليم أساسي مجاني يضمن له الحد الأدنى الضروري من المعرفة والمهارات، وبخاصة في المرحلة الابتدائية، باعتبارها المرحلة التي يجب أن نضمن فيها القضاء على الأمية الأبجدية والعددية والرقمية الأولية.

لكن بعد المرحلة الابتدائية، يمكن أن يصبح الانتقال إلى الصفوف الأعلى مرتبطًا باختبار وطني معياري يقيس مدى إتقان الطالب للمعارف والمهارات الأساسية المطلوبة للانتقال.

وهنا أؤكد نقطة مهمة للغاية:

الاختبار المقترح ليس امتحانًا لإقصاء الطلاب، وليس وسيلة لمعاقبة الطفل الفقير أو الأقل حظًا، وإنما هو أداة للتأكد من أن الطالب قد أتقن الحد الأدنى الضروري من المهارات قبل انتقاله إلى مستوى تعليمي أكثر تقدمًا.

فلا ينبغي أن نسمح للطالب بالانتقال عامًا بعد عام وهو يحمل فجوات معرفية تتراكم حتى تصل في النهاية إلى مرحلة يصبح فيها غير قادر على القراءة والفهم والكتابة والحساب بصورة سليمة.

لا انتقال بلا إتقان

المشكلة الحقيقية ليست في رسوب الطالب سنة أو إعادة بعض المهارات التي لم يتقنها، وإنما في أن ينتقل الطالب إلى صف أعلى دون أن يمتلك متطلبات الصف السابق.

فالطالب الذي لم يتقن القراءة لا يمكن أن نطالبه بفهم نصوص علمية معقدة.

والطالب الذي لم يتقن العمليات الحسابية الأساسية سيجد صعوبة في الرياضيات والعلوم والاقتصاد وغيرها.

ولهذا فإن فلسفة «لا انتقال بلا إتقان» قد تكون أكثر أهمية من فلسفة «الانتقال التلقائي للجميع».

لكن تطبيق هذه الفكرة يحتاج إلى منظومة عادلة؛ فليس من المقبول أن نحاسب الطالب على فشل النظام في تعليمه.

إذا أخفق الطالب في اختبار الانتقال، فيجب أن يحصل أولًا على برنامج علاجي مكثف ومجاني، مع إعادة التقييم أكثر من مرة، وتوفير الدعم النفسي والتربوي والأسري له.

فالهدف هو إنقاذ الطالب، لا إسقاطه.

المرحلة الابتدائية… نقطة البداية الحقيقية

وأرى أن أي إصلاح حقيقي لمنظومة مجانية التعليم يجب أن يبدأ بإعادة بناء مناهج المرحلة الابتدائية من جذورها.

فنحن لا نحتاج إلى طفل يحفظ عشرات الموضوعات ثم ينساها بعد انتهاء الامتحان، وإنما نحتاج إلى طفل يستطيع أن:

* يقرأ قراءة صحيحة ويفهم ما يقرأ.

* يكتب ويعبّر عن أفكاره بوضوح.

* يجري العمليات الحسابية الأساسية ويستخدم الرياضيات في حياته اليومية.

* يتواصل بلغة أجنبية بصورة تدريجية تناسب عمره.

* يعرف قواعد السلوك والأخلاق واحترام الآخر.

* يمتلك مفهومًا صحيحًا للمواطنة والانتماء والمسؤولية.

* يتعلم التفكير النقدي وحل المشكلات.

* يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا بصورة آمنة ومسؤولة.

* يمتلك الثقافة الرقمية الأساسية.

* يتعرف بصورة مبسطة إلى مفاهيم الذكاء الاصطناعي وكيفية التعامل معه.

* يكتشف موهبته وميوله وقدراته في سن مبكرة.

منهج جديد للابتدائية… أقل حفظًا وأكثر حياة

إن إصلاح التعليم لا يعني بالضرورة زيادة عدد الكتب والمقررات، وإنما يعني إعادة تعريف ما ينبغي أن يتعلمه الطفل.

فالطفل في المرحلة الابتدائية يحتاج إلى منهج يربط المدرسة بالحياة.

يتعلم الحساب من خلال مواقف حياتية، واللغة من خلال القراءة والحوار، والعلوم من خلال التجربة والملاحظة، والقيم من خلال الممارسة، والتكنولوجيا من خلال الاستخدام الآمن والمنتج.

كما ينبغي أن نمنح مساحة أكبر لاكتشاف الموهبة والابتكار والإبداع بدلًا من اختزال قدرات الطفل في درجات الامتحانات التقليدية.

فالطفل الذي لا يتفوق في الحفظ قد يكون متفوقًا في الفن أو الموسيقى أو الرياضيات أو البرمجة أو القيادة أو الابتكار أو المهارات اليدوية.

مجانية التعليم لا تعني مجانية الهدر

وهنا نصل إلى جوهر القضية.

الدولة عندما تقدم التعليم مجانًا فإنها لا تقدم خدمة بلا تكلفة؛ بل تنفق من المال العام، أي من موارد المجتمع كله.

ومن ثم فإن السؤال ليس:

هل ندعم التعليم؟

بل:

كيف نضمن أن كل جنيه يُنفق على التعليم يتحول إلى قيمة حقيقية في حياة الطالب والمجتمع؟

فإذا أنفقت الدولة على طالب سنوات طويلة دون أن يكتسب المهارات الأساسية، فإن المشكلة ليست فقط في الطالب، وإنما في كفاءة النظام كله.

ولهذا فإن العدالة التعليمية لا تعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه بالضرورة، وإنما تعني أن يحصل كل طالب على ما يحتاج إليه لكي يصل إلى أقصى قدر ممكن من قدراته.

قد يحتاج طالب إلى دعم إضافي، وقد يحتاج آخر إلى مسار مختلف، وقد يحتاج ثالث إلى تعليم مهني أو تقني، بينما يحتاج رابع إلى مسار أكاديمي متقدم.

المساواة الحقيقية ليست أن نعطي الجميع الشيء نفسه، وإنما أن نمنح كل إنسان فرصة عادلة للنمو والنجاح.

من التعليم المجاني إلى التعليم العادل

ربما آن الأوان للانتقال من مفهوم:

«التعليم المجاني للجميع»

إلى مفهوم أكثر شمولًا:

«التعليم الجيد والعادل للجميع».

فالتعليم الأساسي يجب أن يظل حقًا مضمونًا، ولا ينبغي أن يكون الفقر سببًا في حرمان طفل من فرصته.

لكن في الوقت نفسه، ينبغي أن يكون استمرار الطالب في المسارات التعليمية المختلفة مرتبطًا بمدى استحقاقه الأكاديمي وإتقانه للمعارف والمهارات المطلوبة، مع توفير فرص حقيقية للتعويض والعلاج وإعادة المحاولة.

ولا ينبغي أن تكون النتيجة النهائية هي طرد الطالب من منظومة التعليم، بل إعادة توجيهه إلى المسار الذي يتناسب مع قدراته وميوله وإمكاناته.

الذكاء الاصطناعي… فرصة لإصلاح المعادلة

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد من المقبول أن تعتمد منظومة التعليم على نموذج واحد يصلح لجميع الطلاب.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التشخيص المبكر لفجوات التعلم، وتحديد المهارات التي لم يتقنها الطالب، وتقديم تدريبات علاجية تناسب مستواه، ومساعدة المعلم في متابعة تقدم كل طالب.

وبذلك يمكن أن يصبح اختبار الانتقال أكثر عدالة، إذا لم يكن مجرد اختبار نهائي، وإنما جزءًا من منظومة مستمرة للقياس والتشخيص والعلاج.

وهنا يمكن أن تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة للامتحان إلى أداة لتحقيق العدالة التعليمية.

الخلاصة: لسنا أمام معركة بين المجانية والاستحقاق

إن القضية في حقيقتها ليست معركة بين أنصار مجانية التعليم وأنصار التعليم المشروط.

القضية أعمق من ذلك.

نحن نريد تعليمًا لا يحرم الفقير، ولا يهدر المال العام، ولا يظلم المتفوق، ولا يتخلى عن المتعثر، ولا يسمح باستمرار الفجوات التعليمية من صف إلى آخر.

نريد تعليمًا يبدأ بضمان حق الطفل في التعلم، ثم ينتقل به تدريجيًا إلى مستويات أعلى وفق قدرته على الإتقان، مع توفير الدعم لمن يحتاج إليه، وإعادة توجيه من لا يناسبه المسار الأكاديمي إلى مسارات تعليمية ومهنية وتقنية تحفظ كرامته وتفتح أمامه أبواب المستقبل.

فليس الهدف أن نقول:

«التعليم مجاني».

بل أن نستطيع أن نقول:

«التعليم متاح، وعادل، وعالي الجودة، ويصل إلى من يحتاج إليه، ويُنتج إنسانًا قادرًا على بناء مستقبله ووطنه».

وفي النهاية، أرى أن مجانية التعليم قيمة اجتماعية مهمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مجانية للفشل، كما أن الاستحقاق لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للإقصاء.

وبين هذين الطرفين توجد المنطقة التي يجب أن نبحث عنها:

تعليم مجاني في أساسه، عادل في فرصه، صارم في معايير مَجَّانِيَّةُ التَّعْلِيمِ بَيْنَ المِطْرَقَةِ وَالسِّنْدَانِ

بَيْنَ «التَّعْلِيمِ لِلْجَمِيعِ» وَ«التَّعْلِيمِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ»

بقلم

الأستاذ الدكتور/ عيد عبدالواحد علي درويش

عميد كليتي التربية والتربية للطفولة بجامعة المنيا سابقًا، ورئيس الجهاز التنفيذي لتعليم الكبار بجمهوريةمصر العربيةسابقًا

التعليم المجاني… حق أم مسؤولية؟

تظل قضية مجانية التعليم واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمعات؛ لأنها لا تتعلق فقط بالمدرسة والجامعة، وإنما ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ومستقبل الأجيال، وقدرة الدولة على بناء رأس مال بشري قادر على المنافسة.

وهنا تبرز إشكالية تستحق أن نطرحها بصدق بعيدًا عن الشعارات:

هل الأفضل أن يكون التعليم مجانيًا للجميع، مهما اختلفت قدراتهم ونتائجهم ومستويات إتقانهم؟ أم أن مجانية التعليم ينبغي أن ترتبط بالاستحقاق، وبقدرة الطالب على الاستمرار والنجاح والانتقال من مرحلة إلى أخرى؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة؛ لأن كلا الاتجاهين يستند إلى منطلقات إنسانية وتربوية واجتماعية مهمة.

الرؤية الأولى: التعليم للجميع… ومجانية التعليم للجميع

ينطلق الاتجاه الأول من مبدأ أن التعليم حق أصيل لكل إنسان، وأن الدولة ينبغي أن تضمن إتاحة التعليم لأبنائها دون أن يكون الفقر أو ضعف الإمكانات المادية للأسرة سببًا في حرمان الطفل من فرصته في التعلم.

ولهذه الرؤية مزايا لا يمكن إنكارها.

فهي تسهم في الحد من الفقر والجهل، وتدعم الحراك الاجتماعي، وتفتح أبواب التعليم أمام أبناء الطبقات الأقل قدرة، كما تساعد على بناء مجتمع أكثر معرفة ووعيًا.

والأهم من ذلك أنها تجعل الدولة شريكًا أساسيًا في حماية حق الطفل في التعلم، بدلًا من أن يصبح مستقبل الطفل مرهونًا بقدرة أسرته الاقتصادية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول مجانية التعليم من حق إلى مجرد إتاحة مجانية للمقعد الدراسي، بصرف النظر عن جودة التعلم ودرجة الإتقان والجدية في التحصيل.

فليس الهدف الحقيقي أن يدخل الطالب المدرسة فقط، وإنما أن يتعلم بالفعل.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:

هل نقيس نجاح النظام التعليمي بعدد الطلاب الموجودين داخل الفصول، أم بما اكتسبوه من معارف ومهارات وقيم وقدرات؟

الرؤية الثانية: التعليم المجاني لمن يستحق… رؤية شخصية قابلة للنقاش

أما الرؤية التي أطرحها هنا، وهي رؤيتي الشخصية، فتقوم على إعادة النظر في مفهوم مجانية التعليم بحيث لا تكون المجانية حقًا مفتوحًا بلا شروط حتى نهاية كل مرحلة تعليمية، وإنما تكون حقًا مرتبطًا بالتعلم والاستحقاق والإتقان.

وأقصد بذلك أن يحصل الطفل على تعليم أساسي مجاني يضمن له الحد الأدنى الضروري من المعرفة والمهارات، وبخاصة في المرحلة الابتدائية، باعتبارها المرحلة التي يجب أن نضمن فيها القضاء على الأمية الأبجدية والعددية والرقمية الأولية.

لكن بعد المرحلة الابتدائية، يمكن أن يصبح الانتقال إلى الصفوف الأعلى مرتبطًا باختبار وطني معياري يقيس مدى إتقان الطالب للمعارف والمهارات الأساسية المطلوبة للانتقال.

وهنا أؤكد نقطة مهمة للغاية:

الاختبار المقترح ليس امتحانًا لإقصاء الطلاب، وليس وسيلة لمعاقبة الطفل الفقير أو الأقل حظًا، وإنما هو أداة للتأكد من أن الطالب قد أتقن الحد الأدنى الضروري من المهارات قبل انتقاله إلى مستوى تعليمي أكثر تقدمًا.

فلا ينبغي أن نسمح للطالب بالانتقال عامًا بعد عام وهو يحمل فجوات معرفية تتراكم حتى تصل في النهاية إلى مرحلة يصبح فيها غير قادر على القراءة والفهم والكتابة والحساب بصورة سليمة.

لا انتقال بلا إتقان

المشكلة الحقيقية ليست في رسوب الطالب سنة أو إعادة بعض المهارات التي لم يتقنها، وإنما في أن ينتقل الطالب إلى صف أعلى دون أن يمتلك متطلبات الصف السابق.

فالطالب الذي لم يتقن القراءة لا يمكن أن نطالبه بفهم نصوص علمية معقدة.

والطالب الذي لم يتقن العمليات الحسابية الأساسية سيجد صعوبة في الرياضيات والعلوم والاقتصاد وغيرها.

ولهذا فإن فلسفة «لا انتقال بلا إتقان» قد تكون أكثر أهمية من فلسفة «الانتقال التلقائي للجميع».

لكن تطبيق هذه الفكرة يحتاج إلى منظومة عادلة؛ فليس من المقبول أن نحاسب الطالب على فشل النظام في تعليمه.

إذا أخفق الطالب في اختبار الانتقال، فيجب أن يحصل أولًا على برنامج علاجي مكثف ومجاني، مع إعادة التقييم أكثر من مرة، وتوفير الدعم النفسي والتربوي والأسري له.

فالهدف هو إنقاذ الطالب، لا إسقاطه.

المرحلة الابتدائية… نقطة البداية الحقيقية

وأرى أن أي إصلاح حقيقي لمنظومة مجانية التعليم يجب أن يبدأ بإعادة بناء مناهج المرحلة الابتدائية من جذورها.

فنحن لا نحتاج إلى طفل يحفظ عشرات الموضوعات ثم ينساها بعد انتهاء الامتحان، وإنما نحتاج إلى طفل يستطيع أن:

* يقرأ قراءة صحيحة ويفهم ما يقرأ.

* يكتب ويعبّر عن أفكاره بوضوح.

* يجري العمليات الحسابية الأساسية ويستخدم الرياضيات في حياته اليومية.

* يتواصل بلغة أجنبية بصورة تدريجية تناسب عمره.

* يعرف قواعد السلوك والأخلاق واحترام الآخر.

* يمتلك مفهومًا صحيحًا للمواطنة والانتماء والمسؤولية.

* يتعلم التفكير النقدي وحل المشكلات.

* يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا بصورة آمنة ومسؤولة.

* يمتلك الثقافة الرقمية الأساسية.

* يتعرف بصورة مبسطة إلى مفاهيم الذكاء الاصطناعي وكيفية التعامل معه.

* يكتشف موهبته وميوله وقدراته في سن مبكرة.

منهج جديد للابتدائية… أقل حفظًا وأكثر حياة

إن إصلاح التعليم لا يعني بالضرورة زيادة عدد الكتب والمقررات، وإنما يعني إعادة تعريف ما ينبغي أن يتعلمه الطفل.

فالطفل في المرحلة الابتدائية يحتاج إلى منهج يربط المدرسة بالحياة.

يتعلم الحساب من خلال مواقف حياتية، واللغة من خلال القراءة والحوار، والعلوم من خلال التجربة والملاحظة، والقيم من خلال الممارسة، والتكنولوجيا من خلال الاستخدام الآمن والمنتج.

كما ينبغي أن نمنح مساحة أكبر لاكتشاف الموهبة والابتكار والإبداع بدلًا من اختزال قدرات الطفل في درجات الامتحانات التقليدية.

فالطفل الذي لا يتفوق في الحفظ قد يكون متفوقًا في الفن أو الموسيقى أو الرياضيات أو البرمجة أو القيادة أو الابتكار أو المهارات اليدوية.

مجانية التعليم لا تعني مجانية الهدر

وهنا نصل إلى جوهر القضية.

الدولة عندما تقدم التعليم مجانًا فإنها لا تقدم خدمة بلا تكلفة؛ بل تنفق من المال العام، أي من موارد المجتمع كله.

ومن ثم فإن السؤال ليس:

هل ندعم التعليم؟

بل:

كيف نضمن أن كل جنيه يُنفق على التعليم يتحول إلى قيمة حقيقية في حياة الطالب والمجتمع؟

فإذا أنفقت الدولة على طالب سنوات طويلة دون أن يكتسب المهارات الأساسية، فإن المشكلة ليست فقط في الطالب، وإنما في كفاءة النظام كله.

ولهذا فإن العدالة التعليمية لا تعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه بالضرورة، وإنما تعني أن يحصل كل طالب على ما يحتاج إليه لكي يصل إلى أقصى قدر ممكن من قدراته.

قد يحتاج طالب إلى دعم إضافي، وقد يحتاج آخر إلى مسار مختلف، وقد يحتاج ثالث إلى تعليم مهني أو تقني، بينما يحتاج رابع إلى مسار أكاديمي متقدم.

المساواة الحقيقية ليست أن نعطي الجميع الشيء نفسه، وإنما أن نمنح كل إنسان فرصة عادلة للنمو والنجاح.

من التعليم المجاني إلى التعليم العادل

ربما آن الأوان للانتقال من مفهوم:

«التعليم المجاني للجميع»

إلى مفهوم أكثر شمولًا:

«التعليم الجيد والعادل للجميع».

فالتعليم الأساسي يجب أن يظل حقًا مضمونًا، ولا ينبغي أن يكون الفقر سببًا في حرمان طفل من فرصته.

لكن في الوقت نفسه، ينبغي أن يكون استمرار الطالب في المسارات التعليمية المختلفة مرتبطًا بمدى استحقاقه الأكاديمي وإتقانه للمعارف والمهارات المطلوبة، مع توفير فرص حقيقية للتعويض والعلاج وإعادة المحاولة.

ولا ينبغي أن تكون النتيجة النهائية هي طرد الطالب من منظومة التعليم، بل إعادة توجيهه إلى المسار الذي يتناسب مع قدراته وميوله وإمكاناته.

الذكاء الاصطناعي… فرصة لإصلاح المعادلة

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد من المقبول أن تعتمد منظومة التعليم على نموذج واحد يصلح لجميع الطلاب.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التشخيص المبكر لفجوات التعلم، وتحديد المهارات التي لم يتقنها الطالب، وتقديم تدريبات علاجية تناسب مستواه، ومساعدة المعلم في متابعة تقدم كل طالب.

وبذلك يمكن أن يصبح اختبار الانتقال أكثر عدالة، إذا لم يكن مجرد اختبار نهائي، وإنما جزءًا من منظومة مستمرة للقياس والتشخيص والعلاج.

وهنا يمكن أن تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة للامتحان إلى أداة لتحقيق العدالة التعليمية.

الخلاصة: لسنا أمام معركة بين المجانية والاستحقاق

إن القضية في حقيقتها ليست معركة بين أنصار مجانية التعليم وأنصار التعليم المشروط.

القضية أعمق من ذلك.

نحن نريد تعليمًا لا يحرم الفقير، ولا يهدر المال العام، ولا يظلم المتفوق، ولا يتخلى عن المتعثر، ولا يسمح باستمرار الفجوات التعليمية من صف إلى آخر.

نريد تعليمًا يبدأ بضمان حق الطفل في التعلم، ثم ينتقل به تدريجيًا إلى مستويات أعلى وفق قدرته على الإتقان، مع توفير الدعم لمن يحتاج إليه، وإعادة توجيه من لا يناسبه المسار الأكاديمي إلى مسارات تعليمية ومهنية وتقنية تحفظ كرامته وتفتح أمامه أبواب المستقبل.

فليس الهدف أن نقول:

«التعليم مجاني».

بل أن نستطيع أن نقول:

«التعليم متاح، وعادل، وعالي الجودة، ويصل إلى من يحتاج إليه، ويُنتج إنسانًا قادرًا على بناء مستقبله ووطنه».

وفي النهاية، أرى أن مجانية التعليم قيمة اجتماعية مهمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مجانية للفشل، كما أن الاستحقاق لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للإقصاء.

وبين هذين الطرفين توجد المنطقة التي يجب أن نبحث عنها:

تعليم مجاني في أساسه، عادل في فرصه، صارم في معايير الإتقان، مرن في مساراته، ذكي في توظيف موارده، وإنساني في تعامله مع أبنائه.

فالمستقبل لا يحتاج إلى تعليم أكثر فقط…

بل يحتاج إلى تعليم أفضل، وأكثر عدلًا، وأكثر ذكاءً.الإتقان، مرن في مساراته، ذكي في توظيف موارده، وإنساني في تعامله مع أبنائه.

فالمستقبل لا يحتاج إلى تعليم أكثر فقط…

بل يحتاج إلى تعليم أفضل، وأكثر عدلًا، وأكثر ذكاءً.

مَجَّانِيَّةُ التَّعْلِيمِ بَيْنَ المِطْرَقَةِ وَالسِّنْدَانِ ..  بَيْنَ «التَّعْلِيمِ لِلْجَمِيعِ» وَ«التَّعْلِيمِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ»
⇧