د.سعد الهموندي يكتب : نحن مدينون لمصر أم الدنيا
في فلسفة العلاقات الإنسانية، ثمة روابط تتجاوز حدود الجغرافيا السياسية، وتتحول بمرور الزمن إلى "حالة وجدانية مشتركة" تصهر أرواح الشعوب في بوتقة واحدة من التعاطف والتبادل الإنساني. وحين يتأمل الوعي الكوردي مسارات نضاله الطويل، وهويته الثقافية التي نمت وسط عواصف القلق والاضطراب، يجد نفسه منساقاً باحترام عميق نحو ضفاف النيل. نحن ككورد، لا نحمل لمصر مجرد عاطفة عابرة، بل نشعر بمديونية وجودية تجاه هذه الأرض التي كانت بمثابة "الحاضنة المعرفية والرئة الثقافية" التي تنفسنا منها الحرية في لحظات التضييق والتشتت التاريخي.
إن القراءة السوسيولوجية والتاريخية للنهضة الكوردية المعاصرة تثبت أن مصر لم تكن مجرد محطة لجوء، بل كانت شريكة في صياغة الوعي الذاتي للكورد. ففي اللحظة التي ضاقت فيها الخلافة العثمانية بآمال التطوير، شرعت القاهرة أبوابها ومطابعها بكل نبل وأمان، ليطلق الأمير مقداد مدحت بدرخان في الثاني والعشرين من نيسان عام 1898 صحيفة "كردستان". هذه الولادة الرمزية لأول جريدة كوردية في التاريخ من قلب مصر، لم تكن مجرد حدث صحفي، بل كانت اعترافاً مصرياً بحق هذا الشعب في صياغة كينونته الفكرية، وتأكيداً على أن مصر تؤمن بالكلمة بوصفها جسراً للتنوير لا قيداً للرقابة.
هذا التناغم الثقافي تجلى بأبهى صوره في قدرة البنية المجتمعية المصرية على "استيعاب ومأسسة الموهبة" دون النظر إلى العرق أو الأصل، وبلا أي محاولات لقطع الطريق أو التهميش. في رحاب وادي النيل، ذابت الحواجز ليرتقي الكوردي في جذوره أحمد شوقي إلى سدة "إمارة الشعر العربي"، وليصبح الشيخ عبد الباسط عبد الصمد صوتاً سماوياً يمثل الوجدان الإسلامي بأسره، ولينسج الفنان محمود المليجي ملامح العبقرية السينمائية بملامحه الكوردية الخالصة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فمن رحم هذا التمازج الأنيق خرج عملاق الفكر عباس محمود العقاد بعبقرياته الأدبية، وقاسم أمين رائد تحرير المرأة، و"سندريلا الشاشة العربية" الفنانة سعاد حسني وشقيقتها نجاة الصغيرة. هؤلاء الأعلام لم يضطروا لإخفاء هوياتهم ليعبروا إلى قلب الجمهور المصري؛ بل قدمتهم أم الدنيا كرموز أصيلة لها، مجسدةً أعلى قيم الكوزموبوليتانية والتسامح الإنساني الذي يحتفي بالجوهر والمحتوى قبل المظهر والمنبت.
ولم يقف هذا المد الإنساني عند تخوم الأدب والفنون، بل امتد ليتخذ أبعاداً سياسية وإعلامية حاسمة في لحظات التحول الكبرى للقضية الكوردية. ففي عام 1957، وبتوجيه مباشر من الدولة المصرية، تأسس القسم الكوردي في إذاعة القاهرة، ليكون صوتاً كوردياً حراً يصدح من قلب عاصمة العروبة ليصل إلى جبال كوردستان في زمنٍ كان ينظر فيه العالم إلينا بعين التجاهل. وفي خريف عام 1958، وبينما كان القلق يلف مصير القيادة الكوردية، لعبت القاهرة بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر دور الوسيط التاريخي والآمن، ممهدةً الطريق لعودة الزعيم مصطفى البارزاني من منفاه السوفيتي. لم تكن تلك المواقف مجرد مناورات دبلومساية، بل كانت انعكاساً لعمق الرؤية المصرية التي استقبلت القيادة الكوردية كرمز للتحرر والكرامة، لتكون القاهرة منصة الدعم الروحي والأخلاقي الأولى وسط ترحيب إنساني حار.
إننا مدينون لمصر، لأنها علمتنا كيف يمكن للجغرافيا أن تتسع للأحلام الكبرى، ولأنها برهنت على أن الوفاء ليس كلمات تُقال بل هو مواقف تُعاش وقلوب تتسع لكل ألوان الطيف الإنساني. في رحلة الحياة المليئة بالتقلبات، تبقى مصر الثابت الذي نلتفت إليه بامتنان، متصالحين مع وعثاء دروبنا لأننا نعلم أن لنا في قلب أم الدنيا متسعاً من المودة والأمان، ودعاءً لا ينقطع بأن يظل النيل دافقاً بالخير والمحبة لأهل الوفاء.


.jpeg)














